Skip to main content

حرائق جبال اللاذقية السورية 2025


حرائق جبال اللاذقية السورية 2025

سها خضور

كيف نتخلص من هذا الكابوس
تحديات وحلول

 |  Human & Health

الملخص

يستعرض هذا المقال مشكلة حرائق الغابات المتكررة في جبال اللاذقية بسوريا، ويحلل الأسباب الجذرية والمباشرة لهذه الظاهرة، بما في ذلك تدهور منظومة الحماية الحراجية، تحديات ما بعد الحرب، العوامل الاقتصادية والاجتماعية، العوامل الطبيعية، مخلفات الحرب، والعوامل البشرية المشبوهة. كما يقدم المقال استعراضًا للتجارب العالمية الناجحة في مكافحة الحرائق، ويطرح تحديات خاصة بسوريا، مقترحًا استراتيجيات قصيرة الأمد وطويلة الأمد للتعامل مع هذه الأزمة. يهدف المقال إلى تقديم تحليل شامل ومقترحات عملية تسهم في الحد من هذه الكوارث البيئية.

الكلمات المفتاحية: حرائق الغابات، سوريا، اللاذقية، إدارة الكوارث، حماية البيئة، حلول مستدامة.

1. المقدمة

تواجه سوريا في الوقت الراهن واحدة من أكبر موجات الحرائق في تاريخها، حيث تلتهم النيران مساحات شاسعة من الغابات والأحراج في جبال اللاذقية وطرطوس وحماة. وفيما لا تزال الحرائق مشتعلة حتى تاريخ إعداد هذا التقرير، تبذل فرق الدفاع المدني السورية والفرق المدنية من المتطوعين والأهالي، وكذلك فرق الدعم من الأردن، والدعم الجوي من لبنان والأردن وتركيا كل الجهود الممكنة ضمن الموارد المتوفرة للحد من تمدد وتوسع الحرائق التي تلتهم كل ما تصادفه في طريقها فتحيل ما كان منذ أيام نماذج لجنان بكر إلى رماد ودخان.

إن تكرار هذه الظاهرة يستدعي تحليلًا معمقًا لأسبابها ونتائجها، ووضع استراتيجيات فعالة للوقاية والمكافحة. يهدف هذا المقال إلى تقديم تحليل شامل لأسباب حرائق الغابات في جبال اللاذقية، واستعراض التجارب العالمية في هذا المجال، وتقديم مقترحات حلول عملية تتناسب مع السياق السوري.

2. تطور الحرائق في سوريا عبر  العقدين السابقين

2.1. الإحصائيات التاريخية

ليست هذه المرة الأولى التي تستعر فيها الحرائق في هذه المناطق، ففي الأعوام السابقة تم تسجيل العديد من الحرائق كما هو موضح في الجدول التالي:

جدول 1: إحصائيات الحرائق في سوريا (2010-2025)

السنة

المناطق المتضررة

المساحة المحترقة

أبرز الأحداث

2010-2023

مختلف المناطق

المجموع التراكمي أكثر من 200,000 هكتار

حرائق متكررة للمساحات الأكبر من 30 هكتار

2025

اللاذقية، طرطوس، حماة

أكثر من 10,000 هكتار (حتى الآن)

أكبر موجة حرائق حتى الآن، بمشاركة طائرات بعمليات الإطفاء من تركيا والأردن ولبنان

المصدر: San-Miguel-Ayanz et al., 2024 [1].

3. الأسباب الجذرية للحرائق

3.1. تدهور منظومة الحماية الحراجية

كانت في كل مديرية زراعة ما يُسمى دائرة الأحراج، وكانت مهمتها الحفاظ على الغابات الحراجية بصفتها ملكاً للدولة. كان يتعين عليها إنشاء مخافر حراجية وتعيين حراس للحراج لحمايتها من التعديات، وكذلك إنشاء خطوط النار ضمن الحراج والغابات لضمان سهولة الوصول إلى العمق في حالات الحرائق. ووفق قانون الحراج في كل نسخة صدرت وآخرها القانون رقم 6 لعام 2018 الخاص بتنظيم واستثمار المناطق الحراجية فإن من واجب الخفير منع التعديات على الغابة والأحراش وأي غطاء نباتي أخضر. ولكن الفساد والمحسوبيات الذي كان سائدًا سحب هذه الصلاحيات من الموظفين وصار القانون حبرًا على ورق.

3.2. تحديات ما بعد الحرب

أدى سحب صلاحيات الخفراء والموظفين إلى تناقص الضبوط إلى حد كبير، بالإضافة إلى عدم اتخاذ العقوبات اللازمة بحق المخالفين [2]. كما أن ضعف الإمكانيات الفنية للآليات وأجهزة الاتصال اللاسلكية المستخدمة من قبل هذه المخافر بسبب الحصار أخرج معظمها من الخدمة.

3.3. العوامل الاقتصادية والاجتماعية

مع تفاقم أزمات الوقود المتكررة خلال السنوات السابقة والحصار الاقتصادي والوضع المعيشي السيء، أصبحت الأحراج هي المصدر الأسهل والأكثر توفراً لحطب التدفئة، وعمليات التفحيم العشوائية مما يشكل سببًا في نشوب الحرائق في هذه الأحراج.

4. تصنيف الأسباب المباشرة للحرائق

4.1. العوامل الطبيعية

  • ارتفاع درجات الحرارة واشتداد الرياح: مما يسرع انتشار النيران.
  • التضاريس الوعرة: خاصة في جبال التركمان والفرنلق التي تعيق وصول فرق الإطفاء.
  • جفاف الغابات: بسبب موجة الجفاف غير المسبوقة في سوريا.

4.2. مخلفات الحرب

  • انتشار الألغام والمتفجرات: في المناطق الجبلية، مما يزيد خطر الانفجارات ويعيق عمل الفرق [11].
  • إهمال صيانة الغابات: خلال سنوات الحرب، وعدم تطبيق القوانين الخاصة بحماية الأحراج.

4.3. عوامل بشرية مشبوهة

  • الإشعال المتعمد: اتهامات من ناشطين محليين بتعمد إشعال الحرائق لتخريب الغابات أو تهجير السكان [2].
  • عمليات التفحيم العشوائية: بغية الحصول على المال [2].
  • افتعال الحرائق بغية الاستيلاء: على مساحات شاسعة من الأراضي المحروقة لضمها إلى الأملاك الشخصية [2].

5. التجارب العالمية الناجحة في مكافحة الحرائق

5.1. التدخل الجوي السريع (نموذج كندا والولايات المتحدة)

تُستخدم الطائرات المروحية والطائرات الكبيرة المخصصة لإطفاء الحرائق مثل طائرات “DC-10″ و”سوبرتانكر” لإلقاء كميات كبيرة من الماء أو المواد الكيميائية المثبطة للنيران. هذه الطريقة فعالة في المناطق الوعرة حيث يصعب الوصول برًا. في السياق السوري، تم استخدام طائرات من تركيا والأردن ولبنان، ولكن يبدو أنه تم استخدام المروحيات لنقل الماء فقط [3].

5.2. إنشاء خطوط النار (نموذج أستراليا)

تقوم فرق الإطفاء بإنشاء خطوط نار (Firebreaks) عن طريق إزالة النباتات والأشجار في مسارات محددة لمنع انتشار النيران. هذه الطريقة مفيدة في المناطق الغابية الكثيفة مثل غابات اللاذقية. التحدي في سوريا هو وجود الألغام ومخلفات الحرب التي تعيق إنشاء هذه الخطوط بسرعة في الوقت الحالي. حل مقترح يعد من أفضل أنظمة خطوط النار الطبيعية هو زراعة الصبار، وهذا النبات ينمو بسهولة في الساحل السوري.

5.3. نظم الإنذار المبكر والتكنولوجيا (نموذج إسبانيا والبرتغال)

استخدام الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة (الدرونز) للكشف المبكر عن الحرائق وتحديد بؤرها بدقة. هذه الأنظمة تساعد في توجيه فرق الإطفاء بسرعة [4]. التطبيق المقترح هو إعادة تفعيل مخافر الأحراج وإنشاء مركز الكشف المبكر عن الحرائق وتدريب العاملين على هذه الأنظمة.

5.4. التعاون الإقليمي والدولي (نموذج الاتحاد الأوروبي)

يوجد في الاتحاد الأوروبي آلية “كوبرنيكوس” للاستجابة للكوارث، حيث تقدم الدول الأعضاء مساعدات عاجلة مثل الطائرات وفرق الإطفاء [6]. الإمكانية السورية هي تعزيز التعاون مع الدول المجاورة مثل تركيا والأردن والمنظمات الدولية، لكن ذلك يتطلب اشتراكًا لسوريا في مثل هذه الآلية.

5.5. إشراك المجتمع المحلي (نموذج إندونيسيا)

في إندونيسيا، يتم تدريب المجتمعات المحلية على منع الحرائق ومكافحتها، خاصة في المناطق الريفية [7]. هذا النهج يمكن تطبيقه في القرى السورية لزيادة الوعي وتقليل الحرائق الناتجة عن العوامل البشرية. المطلوب هو تفعيل القانون الخاص بالتعدي على الأحراج ومحاسبة المخالفين ممن يقومون بالتفحيم أو الاستيلاء على المساحات المحروقة.

5.6. إعادة التشجير والاستعداد للمستقبل (نموذج البرازيل)

بعد حرائق الأمازون، أطلقت البرازيل برامج لإعادة تشجير المناطق المحترقة وزراعة أنواع نباتية مقاومة للحرائق [8]. وهناك تجارب مماثلة في سوريا مثل ضهر القصير.

6. التحديات الخاصة بسوريا

جدول 2: التحديات الرئيسية ومقترحات الحلول

التحدي

الوصف

الحل المقترح

الألغام ومخلفات الحرب

تعيق وصول فرق الإطفاء وتزيد المخاطر

إزالة الألغام بالتعاون مع المنظمات الدولية

التغير المناخي

موجات الجفاف وارتفاع الحرارة

نظم الإنذار المبكر والتكيف مع التغيرات

نقص الموارد

افتقار للمعدات الحديثة والتمويل والكفاءات

التعاون الدولي وبناء القدرات

نقص الوعي

البحث عن مصادر الدخل بغض النظر عن العواقب، وعدم إدراك خطورة ظاهرة التدخين في الأماكن الحراجية، واستخدام هذه الأماكن كمكيات مفتوحة للنفايات.

حملات التوعية والتدريب المجتمعي وفرض ثقافة الوعي البيئي كأسلوب حياة وطوق نجاة للعبور إلى بيئة سورية متجددة.

ضعف القانون

عدم تطبيق القوانين ومحاسبة المخالفين

تفعيل آليات المحاسبة والشفافية، والتشدد في تنفيذها واعتبار المخالفات المتعمدة جرائم جنائية بحق الأرض والشعب السوري.

7. الاستراتيجيات قصيرة الأمد

7.1. تقنية الحواجز المائية

تُستخدم تقنية الحواجز المائية أو البرك المبطنة بالبلاستيك أو “Bunded Water Ponds / Lined Earth Dams” بشكل شائع في إدارة المياه ومكافحة الحرائق [9].

المزايا:

  • تكلفة منخفضة مقارنة بالخزانات الخرسانية.
  • مرونة في التركيب حتى في التضاريس الوعرة.
  • مقاومة للتسرب والتآكل.
  • منع تبخر المياه بسرعة في المناطق الحارة.

المخاطر:

  • احتمالية تلف البطانة بفعل الحرارة أو الحجارة الحادة.
  • تحتاج إلى صيانة دورية.

7.2. نظام الحماية الطبيعية

نشر أعداد كبيرة من الدجاج والكلاب: الدجاج لينمو بشكل طبيعي ويتكاثر ضمن الأحراج، فتستفيد الأرض من مخلفاته كسماد وتصبح هذه الأحراج كمداجن مفتوحة تولد البيض الطبيعي لاحقًا. وأما الكلاب فهي حارس أمين تمنع المعتدين من الدخول إلى المحميات ونظام إنذار مبكر لأي حريق.

7.3. مبادرة المشاركة المجتمعية

بالرغم مما تعانيه سوريا من مواسم جفاف وقلة مياه الأمطار، إلا أن قنينة ماء واحدة في يد كل واحد منا يمكن أن تصنع المعجزات. المقترح هو:

  • حمل كل شخص قنينة ماء صغيرة عند مغادرة المنزل.
  • قنينة ماء كبيرة لكل من يستقل سيارة.
  • عند مصادفة أول شجرة يقوم بإفراغ الماء عليها.
  • فرض على كل تلميذ أو موظف أن يقوم بإفراغ محتوى قنينة ماء على سقاية نبتة أو شجرة قبل دخوله إلى مدرسته أو مكان عمله.

هذه التجربة نجحت في الصين عندما طلب من كل سائق شاحنة أن يحمل معه غالون ماء ويقوم بسقاية شجرة على طريق السفر في الصحراء، مع الزمن تحولت الصحراء إلى غابة.

8. الخلاصة والتوصيات

إن الأسباب المذكورة أعلاه مجتمعة تجعل من هذه الغابات والأحراج التي تشكل رئة سوريا الطبيعية هدفًا مستباحًا للحرائق التي تحدث بشكل متكرر. لذلك، يجب تطبيق استراتيجية شاملة تشمل:

  1. إعادة تفعيل منظومة الحماية الحراجية، والتشديد على تنفيذ العقوبات بحق المخالفين وتصنيف المخالفات كجرائم جنائية.
  2. تطبيق التقنيات الحديثة للإنذار المبكر.
  3. تعزيز التعاون الدولي والإقليمي.
  4. إشراك المجتمع المحلي في الحماية.
  5. تطبيق الحلول قصيرة الأمد العملية.

إن تبني هذه التوصيات بشكل متكامل سيسهم في حماية الغابات السورية وتقليل الخسائر البيئية والاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الحرائق.

المراجع

  1. San-Miguel-Ayanz, J., Durrant, T., Boca, R., Maianti, P., Liberta’, G., Jacome Felix Oom, D., Branco, A., De Rigo, D., Suarez-Moreno, M., Ferrari, D., Roglia, E., Scionti, N., Broglia, M., Onida, M., Tistan, A. and Loffler, P., Forest Fires in Europe, Middle East and North Africa 2023, Publications Office of the European Union, Luxembourg, 2024, doi:10.2760/8027062, JRC139704.
  2. حرب على غابات الساحل السوري… من يحرقها عمداً ؟ syriauntold.com.
  3. “الدعم الجوي لحرائق الساحل السوري تحت مجهر “الحقيقة verify-sy.com.
  4. حرائق غابات مبكرة في سورية تقنيات الإنذار المبكر وطرق الوقاية – المجلس” Syriansciencecouncil.org.
  5. Fraunhofer.de. “Fighting Forest Fires More Efficiently from The Air”.
  6. rea.ec.europa.eu. “Fighting the flames: EU-funded projects protecting forests from fire destruction”.
  7. efi.int. “Wildfire Prevention”.
  8. معدل إزالة الغابات في الأمازون البرازيلية ينخفض إلى أدنى مستوياته منذ تسع سنوات” . swissinfo.ch.
  9. geosynthetics.net.au. “Infraclay GCL Pond, Bund and Dam Liners”.
  10. حرائق الغابات تلتهم مساحة أكبر من دمشق وتشكل تحدياً للحكومة arabic.cnn.com.
  11. عوامل تعيق السيطرة على حرائق اللاذقية وسط تحذيرات aljazeera.net.

  • سها خضور

    صاحبة المقال

  • إيهاب يازجي

    تحرير صحفي وتدقيق لغوي


Continue reading

حرائق الغابات في سورية


حرائق الغابات في سورية

الدكتور ريان أزهري

مشاهد من الخطوط العالمية الملتهبة

 |  Human & Health

من منا لم يتابع بتوجس كبير ألسنة اللهب الهائلة التي اجتاحت غابات محافظة اللاذقية في سوريا. هذه المنطقة التي أنهكتها سنوات من الحرب والصراع، التهمت فيها النيران أكثر من 14 ألف هكتار من الغابات والأراضي الزراعية¹. 

وفقاً لمدير الإطفاء في مدينة اللاذقية، تسببت الحرائق في تضرر نحو 1900 عائلة، بعد أن وجدت النيران في درجات الحرارة القياسية والجفاف الطويل والرياح العتية وقوداً مثالياً للتمدد والانتشار. وفي تصريح يعكس حجم الكارثة البيئية، وصف مدير الحراج في المحافظة، المشهد قائلاً “الحرائق تجاوزت مساحة مدينة دمشق”، ولم تترك النيران خلفها سوى الرماد، بعد أن التهمت بساتين الزيتون والغابات، ودفعت مئات السكان للنزوح، وألحقت أضراراً بالبنية التحتية الأساسية.² وفي ذات الوقت واجهت فرق الإطفاء تحديات إضافية نتيجة الوضع الأمني المعقد في المنطقة، حيث تنتشر مخلفات الحرب في بعض المناطق المحترقة³، مما جعل الوصول إلى بعض المواقع أمراً صعباً ومحفوفاً بالمخاطر.

ظاهرياً، قد تبدو هذه مجرد مأساة محلية، كنتيجة مؤلمة جمعت تداعيات تغير المناخ وأوزار الحرب في قدر واحد مشؤوم. لكن عند النظر بتمعن في خلفيات المشهد، تكشف حرائق اللاذقية عن قصة أعمق بكثير. إنها ليست فقط كارثة بيئية، بل مرآة عاكسة لعالمنا المضطرب؛ حيث تصطدم أزمات المناخ بأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية متجذرة، لتشكل عاصفة هوجاء من الدمار الشامل.

الانخفاض المخادع في حرائق العالم

للوهلة الأولى، قد يبدو أن الوضع يتحسن على مستوى العالم. فبيانات الأقمار الصناعيةخلال العقدين الماضيين تُظهرُ تراجعاً في إجمالي المساحات المحروقة سنوياً. وقد يظن البعض أن هذا التراجع يدعو للارتياح أو حتى للاحتفال بانتصار بيئي هادئ، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً وخطورة.

الرقم الكلي الذي يشير إلى انخفاض المساحات المحروقة مضلل. فهو يعكس بشكل أساسي تراجعاً كبيراً في الحرائق التي كانت تندلع في الأراضي العشبية والسافانا، نتيجة توسّع النشاط الزراعي وتقليل الاعتماد على النيران عند تطهير الأراضي. غير أن هذا الانخفاض يُخفي خلفه اتجاهاً مقلقاً: حرائق الغابات الكثيفة، تلك التي تمتاز بشدتها وخطورتها، آخذة في الازدياد، سواء من حيث المساحة أو التكرار أو الأثر البيئي.

حرائق الغابات الضخمة في تصاعد مستمر

بين عامي 2001 و2023، شهد العالم ارتفاعاً حاداً في فقدان الغطاء الشجري نتيجة للحرائق، بلغ نحو 6 ملايين هكتار سنوياً، وفقاً لبياناتGlobal Forest Watch.  وللتقريب، فإن هذه المساحة تعادل تقريباً مساحة دولة كرواتيا.

اليوم، تساهم حرائق الغابات وحدها في ما يقارب ثلث إجمالي فقدان الغطاء الشجري العالمي، بعد أن كانت نسبتها لا تتجاوز 20% في عام 2001. هذا يمثل تحوّلاً جذرياً في طبيعة الحرائق. فلم نعد نواجه فقط حرائق الأعشاب منخفضة الشدة، بل نشهد تزايداً في “الحرائق الضخمة” تلك التي تتميز بشدة تدميرها وانبعاثاتها العالية والتي تضرب غابات العالم الأكثر حيوية.

ويعزز هذا الاستنتاج، دراسة نُشرت في مجلة Nature عام 2023، أظهرت أن الحرائق الأشد تطرفاً قد تضاعفت في التكرار والشدة والحجم خلال العقدين الأخيرين. وتتركز هذه الحرائق العنيفة في غابات غرب الولايات المتحدة، وفي الغابات الشمالية الممتدة عبر أمريكا الشمالية وروسيا، وهي ناتجة بشكل مباشر عن التغيرات المناخية التي تسبب بها النشاط البشري.

تغير المناخ: التهديد المتزايد بشكل كبير

التقرير السادس للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC AR6) واضح وصريح: الأنشطة البشرية هي المسبب الرئيسي للاحتباس الحراري. بين عامي 2011 و 2020، وصلت درجات حرارة سطح الأرض إلى 1.1 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900). هذا الارتفاع الطفيف أدى بالفعل إلى “تغيرات واسعة النطاق وسريعة” في جميع أنحاء الكوكب.

الأهم من ذلك، أن العلاقة بين هذا الاحترار وحرائق الغابات ليست ثابتة، إنها تتزايد بشكل كبير. كل جزء إضافي من الدرجة المقياسية يؤدي إلى زيادات واضحة في تكرار وشدة موجات الحر والأمطار الغزيرة والجفاف، وفقاً لتقرير IPCC.

موجات الحر، التي كانت تُعتبر نادرة وتحدث مرة واحدة فقط كل عقد، يُتوقع اليوم أن تصبح أكثر شيوعاً، بحيث تحدث أكثر من أربع مرات خلال العقد نفسه إذا ما ارتفعت درجة حرارة الأرض بمقدار 1.5 درجة مئوية. أما إذا وصل الاحترار إلى درجتين مئويتين، فإن هذه الموجات قد تتكرر بمعدل يقارب ست مرات في كل عشرة أعوام¹. هذا التصاعد في درجات الحرارة، والمصحوب بجفاف أكثر حدة، سيسهم بشكل مباشر في تفاقم خطر حرائق الغابات حول العالم، مما يجعلها أكثر شراسة وامتداداً واستمرارية.

تظهر دراسة نشرتها مجلة Nature Climate Change في 2022 أن موسم الحرائق نفسه يزداد طولاً، ليصبح تهديداً مستمراً بدلاً من كونه موسمياً. ففي أجزاء من غرب الولايات المتحدة والمكسيك والبرازيل وشرق إفريقيا، أصبحت مواسم الحرائق الآن أطول بأكثر من شهر مما كانت عليه في الثمانينيات¹¹ من القرن الماضي.

حلقة مفرغة: كيف تُسهم الحرائق في تسريع تغير المناخ
لا تنتهي القصة عند حدود تسبب تغير المناخ في إشعال الحرائق، بل تدخل في دوامة خطيرة، حيث يُغذي كل طرف الآخر في حلقة تغذية مفرغة.

الغابات، وخصوصاً تلك الشاسعة في المناطق الشمالية – تُعد من أكبر خزانات الكربون الطبيعية على الكوكب. لكن حين تحترق هذه الغابات، يتحرر الكربون المخزن فيها وينبعث إلى الغلاف الجوي على هيئة غازات دفيئة. هذا التسرب الكربوني يعزز من ظاهرة الاحتباس الحراري، ما يؤدي إلى خلق بيئة أكثر حرارة وجفافاً، وهي الظروف المثالية لاندلاع المزيد من الحرائق. وهكذا تستمر الدائرة: حرائق تُفاقم تغير المناخ، وتغير مناخ يُشعل المزيد من الحرائق.

وفقاً لتقرير Global Fire Emissions Database (GFED)، ارتفعت انبعاثات الكربون من حرائق الغابات بنسبة 60% بين عامي 2001 و 2023 ¹². على سبيل المثال، أطلقت حرائق الغابات الكندية القياسية في عام 2023 ما يقدر بـ 640 مليون طن متري من الكربون في الغلاف الجوي وفقاً لوكالة الفضاء الكندية¹³.

بالنسبة للمنطقة العربية، تشير دراسة نشرتها المنظمة العربية للتنمية الزراعية إلى أن المنطقة ترتفع درجة حرارتها بما يقرب من 1.5 مرة المعدل العالمي¹، مما يخلق “بيئة قابلة للاشتعال” متزايدة الخطورة.

الخطر الخفي: تلوث المياه بعد انطفاء الحرائق

من أكثر العواقب خطورة واستدامة، بعد أن تخمد ألسنة اللهب ويغادر الدخان السماء، تبدأ أزمة أخرى في التسلل بصمت: هي تلوث المياه “الأزمة الخفية”، كما يسميها الباحثون. فقد أظهرت دراسة نُشرت في مجلة Water Research عام 2021 أن الجريان السطحي من المناطق المحروقة يحمل مزيجاً خطيراً من الرواسب والرماد والمعادن الثقيلة إلى الأنهار والخزانات. فعندما تشتعل النيران في المنازل والمركبات، لا تحترق الأخشاب والمعادن فقط، بل تُطلق أيضاً مواد كيميائية صناعية، بعضها مسرطن، تتسرب إلى مصادر مياه الشرب، مهددة صحة المجتمعات لسنوات قادمة.

دروس عالمية: كيف نتكيف مع عالم يشتعل

تحدي التعايش مع الحرائق ليس مقتصراً على سوريا فحسب؛ إنه واقع عالمي آخذ في الاتساع. فقد بات من الواضح أن النهج التقليدي في التعاطي مع الحرائق، من خلال التعامل مع كل حريق على حدى باعتباره

تهديداً محلياً يجب القضاء عليه فوراً، لم يعد مجدياً.
بل على العكس، هذا الأسلوب ساهم في تفاقم المشكلة، إذ أدى إلى تراكم كميات كبيرة من المواد القابلة للاشتعال في الغابات والمناطق الطبيعية، مما خلق بيئة مثالية لنشوء حرائق ضخمة وشديدة يصعب السيطرة عليها. فقد أصبح من الضروري تبني استراتيجيات جديدة للتكيف، تعتمد على الوقاية والإدارة الذكية للنظم البيئية بدلاً من الاكتفاء برد الفعل بعد اندلاع النيران.

دروس مستقاة من العالم: كيف تتطور الدول مكافحة الحرائق
في مواجهة تصاعد تهديدات حرائق الغابات، بدأت دول عديدة بإعادة التفكير في استراتيجياتها، مستخلصة دروساً من التجارب القاسية:

  • التحول الاستباقي في البرتغال: بعد الحرائق الكارثية التي شهدتها البلاد عام 2017، والتي أودت بحياة 109 أشخاص، غيّرت البرتغال نهجها جذرياً. وبدلاً من التركيز فقط على إخماد النيران، انتقلت إلى استراتيجية وقائية شاملة. ووفقاً لتقرير صادر عن الوكالة الأوروبية للبيئة، بدأت البرتغال بإدارة فعالة للمحميات الطبيعية من خلال تقليم وتخفيف كثافة الغابات، إلى جانب اعتماد تقنيات “الحرق المسيطر عليه” لتقليل كمية المواد القابلة للاشتعال¹.

    • الحكمة التقليدية في أستراليا: أما في أستراليا، فقد أدى “الصيف الأسود” بين عامي 2019 و 2020   إلى إنهاك أنظمة مكافحة الحرائق الحديثة، ودفع إلى إعادة اكتشاف أساليب السكان الأصليين في إدارة الحرائق. ووفقاً لدراسة منشورة في مجلة Ecological Management & Restoration، تعتمد هذه المجتمعات على ما يُعرف بـ”الحرق الثقافي”، الذي يستخدم حرائق منخفضة الشدة ومتكررة، تهدف إلى تقليل الوقود الطبيعي وتعزيز صحة النظم البيئية¹.
      • الاعتماد على المجتمع في الولايات المتحدة: في غرب الولايات المتحدة، باتت “الواجهة البرية الحضرية” (WUI) ، وهي المناطق التي تلتقي فيها المنازل بالأراضي البرية، محور الجهود الجديدة. ووفقاً لخدمة الغابات الأمريكية، تساهم مبادرات مثل برنامج Firewise USA®  في تثقيف أصحاب المنازل حول أهمية حماية “منطقة الاشتعال حول المنزل” وتحملهم المسؤولية في منع نشوب الحرائق حول مساكنهم¹.
      • مفارقة الوقاية في اليونان :تقرير للاتحاد الأوروبي حول حرائق الغابات في اليونان يشير إلى أن البلاد تعاني غالباً من حرائق غابات مدمرة ولكنها تفتقر لاستراتيجية وقائية طويلة الأجل. غالباً ما يظل التركيز على الاستجابة الفورية لفرق الإطفاء بدلاً من العمل الجاد للوقاية¹.
    • يقظة كندا القاسية:  أظهرت حرائق الغابات الكندية عام 2023 أن هذه الأحداث ليست مجرد قضايا إقليمية. كما يؤكد تقرير الحكومة الكندية أن “الوضع الطبيعي الجديد” أكثر خطورة بكثير مما كان متصوراً سابقاً².

    حلول صغيرة لأزمة كبيرة

    في منطقة مثل سوريا، لا بد من بناء منظومة جديدة لإدارة الحرائق من الجذور. فالتعامل مع حرائق الغابات لا يعني فقط الاستجابة الفورية، بل يتطلب استراتيجيات وقائية دقيقة تتناسب مع هشاشة الوضع المحلي. الحل يكمن في تدخلات صغيرة لكنها ذات أثر كبير، يمكن تنفيذها ضمن نظام منهك.

  • إدارة استراتيجية للوقود واستعادة الطبيعة: الحرب في سوريا خلّفت وراءها دماراً بيئياً كبيراً، أبرز مظاهره القطع غير القانوني للأشجار على نطاق واسع، كما يوضح تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة²¹. من هنا، يبدأ الحل بإنشاء فواصل وقود استراتيجية حول المناطق السكنية، وتمكين المجتمعات المحلية من تنظيف الغابات من الحطام القابل للاشتعال، بل وحتى إعادة إدخال الحرائق منخفضة الشدة بشكل مدروس وآمن للمساعدة في تقليل الوقود المتراكم.
  • شبكة إنذار مبكر مجتمعية: في ظل ضعف البنية التحتية، تصبح شبكات الرصد البشري عنصراً أساسياً. من خلال تدريب السكان المحليين على اكتشاف علامات الحريق والإبلاغ عنها باستخدام شبكات الهاتف المحمول، كما يمكن إنشاء نظام إنذار مبكر فعال، مُدعّم باستخدام تقنيات المراقبة الحديثة، مثل الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار، لتغطية المساحات الواسعة.
  • ترميم ما بعد الكارثة وشفاء الأرض:  ما بعد الحريق لا يقل أهمية عن وقت حدوثه. فالإجراءات السريعة ضرورية لمنع تآكل التربة وحماية الموارد المائية. من بين الخطوات الفعالة: تغطية الأرض المحروقة بطبقات من النشارة، وإعادة زراعة النباتات المحلية، ومراقبة جودة المياه في مجرى الأنهار، وإصلاح أنظمة المياه المتضررة لضمان استمرار توفير مياه نظيفة وآمنة.
  • بناء المرونة الاجتماعية والمؤسساتية: التكيف الحقيقي يبدأ من الناس. إعادة بناء الثقة بين المجتمعات والجهات الرسمية ضرورة قصوى، ويتطلب الأمر تنسيقاً حقيقياً بين الجهات البيئية والدفاع المدني والمجتمع المحلي. كما يمكن للشراكات الدولية أن تلعب دوراً محورياً في تقديم التدريب والدعم الفني، ما يعد استثماراً في استقرار سوريا من جهة، وفي المرونة المناخية العالمية من جهة أخرى.

الخـــلاصـــة

الطريق أمام سوريا ليس مُعبداً. لكن الأمل موجود في الخطوات الصغيرة، وتمكين الناس، وفي بناء قدرات ذاتية محلية تستطيع الصمود أمام حرائق الغد. إن ما جرى في اللاذقية ليس مجرد كارثة بيئية محلية، بل هو إنذار مبكر لنا جميعاً بما قد يحمله المستقبل لنا إذا لم نتعامل مع تغير المناخ بجدية ومسؤولية.

 المـــراجـــــــــــــــــع

1.وكالة الأنباء السورية (سانا)، “حرائق اللاذقية تلتهم أكثر من 14 ألف هكتار”، يوليو 2025

  1. تلفزيون الإخبارية السورية، تقرير ميداني من اللاذقية، يوليو 2025

3.منظمة الأمم المتحدة للألغام، “تقرير حول الوضع في سوريا”، 2024

. Andela, N., et al. (2017). A human-driven decline in global burned area. Science, 356(6345), 1356-1362.

  1. Global Forest Watch. (2024). Global Tree Cover Loss Data 2001-2023.
  2. Curtis, P. G., et al. (2018). Classifying drivers of global forest loss. Science, 361(6407), 1108-1111.
  3. Jones, M. W., et al. (2023). The impact of extreme fire weather on wildfire activity. Nature Climate Change, 13(8), 699-706.
  4. IPCC. (2023). Climate Change 2023: Synthesis Report. Contribution of Working Groups I, II and III to the Sixth Assessment Report.
  5. IPCC. (2021). Climate Change 2021: The Physical Science Basis. Working Group I Contribution to the Sixth Assessment Report.
  6. IPCC. (2018). Global Warming of 1.5°C. Special Report on the impacts of global warming of 1.5°C.
  7. Jolly, W. M., et al. (2022). Climate-induced variations in global wildfire danger from 1979 to 2013. Nature Climate Change, 5(3), 207-211.
  8. van der Werf, G. R., et al. (2017). Global fire emissions estimates during 1997–2016. Earth System Science Data, 9(2), 697-720.
  9. Canadian Space Agency. (2023). 2023 Wildfire Season Carbon Emissions Report.
  10. Arab Organization for Agricultural Development. (2023). Climate Change in the Arab Region: Temperature Trends Report.
  11. Robinne, F. N., et al. (2021). Scientists’ warning on extreme wildfire risks to water supply. Water Research, 199, 117214.
  12. European Environment Agency. (2019). Forest fires in Europe, Middle East and North Africa 2018.
  13. Williamson, G. J., et al. (2020). Aboriginal fire management in Australia’s grasslands and woodlands. Ecological Management & Restoration, 21(2), 132-141.
  14. U.S. Forest Service. (2022). Wildland Urban Interface: A Look at Issues and Resolutions.
  15. European Commission. (2023). Forest Fires in Greece: Prevention and Management Strategies.
  16. Government of Canada. (2023). Wildfire Season 2023: Lessons Learned and Future Preparedness.
  17. UN Environment Programme. (2024). Environmental Impact Assessment of Conflict in Syria.
  • الدكتور ريان أزهري

    صاحب المقال

  • إيهاب يازجي

    تحرير صحفي وتدقيق لغوي


Continue reading